الثلاثاء، 19 يناير، 2010

الخلل في الخطاب الديني

لا تزال اثار ضجة الفتاوى الازهرية الاخيرة (فتوى الجدار و النقاب و فك التشفير) ماثلة للجميع... و ملاحظ في الفترة الأخيرة كثرة الفتاوى من العلماء السعوديين حول موضوع تحليل الاختلاط و عدم الربط بينه و بين الخلوة في اشارة و تمهيد لتغيير متوقع في القوانين السعودية...لقد أصبحت الفتاوى الدينية رهن بالرغبة السياسية لأصحاب القرار حتى صرت أميل الى عدم الوثوق في هذه الفتاوى (المفصلة و المخيطة على المقاس)

جانب اخر هو عدم وجود مصدر موثوق و موحد يتولى الامور الدينية ليكون مرجعا للناس...و ذلك بسبب أن الفتوى اللتي ترضينا قد لا ترضي الاخرين...فاصبح كل يفتي على ليلاه ...و أصبح البحث عن فتوى يتطلب أولا بحثا مفصلا و دقيقا في هوية و تاريخ صاحب الفتوى...و هو في أغلب الاحيان يؤدي الى نتيجتين...أخذ فتوى غير صحيحة من مصدر غير مؤهل, أو عدم البحث عن فتوى والميل لاستفتاء القلب

الخطاب الديني مصاب بخلل كبير في الواقع و هو ما ينعكس سلبا على تصرف المجتمعات...فأصبح الفرد مفتي نفسه...يحلل ما يريد و يحرم ما يريد...فنجد من يسرق بحجة أن الضرورات تبيح المحظورات و من يقبل أن يرتشي بحجة ن هذه عمولة على تعبه و هكذا..و بالنتيجة ابتعاد الناس عن دينهم أكثر فأكثر لأن الدين أصبح لا يقدم تفسيرا لما يحدث واختلطت المفاهيم فلا أحد يستطيع التمييز بين الصحيح و الخاطئ ...و المصيبة الاكبر أنها تلغي دور الفرد في فهم دينه و مناقشة المراجع الدينية...فتجد البعض قد نصب نفسه كظل الله في الارض...و المهدي المنتظر...و نور الله الذي يضئ حياة الناس...و الناس من حولهم منبهرة بهم بسبب الجهل الديني...ذات الجهل الذي يجعل الناس تبحث عب واسطة يتقربون بها الى الله وهو سبحانه أقرب الينا من حبل الوريد...

الامثلة كثيرة...وما سبق ينطبق على الاديان كلها...فالمسيحية هي دين التسامح و مع ذلك ظهر من يروج للحروب الصليبية بأنها دفاع عن المقدسات...منذ زمن المماليك و حتى أيام بوش و هي أبعد ما تكون عن الدين المسيحي السمح...حتى اليهودية التي هي من ذات المصدر الالهي لا يمكن أن تكون بأي حال منطقا يبرر ما أفتى به حاخامات اسرائيل بقتل أطفال العرب...والاسلام ليس بأفضل حالا مع كل الدعوات لتكفير الغير واباحة القتل وتجاوز مبدأ الحكمة و الموعظة الحسنة...

التسامح موجود بين العقلاء من كافة الاديان و لكن الخطاب الديني بحاجة لمراجعة منهجية...ولا تتوقعوا أن يكون هناك تسامح و محبة بين الأديان كافة بكامل افرادها و طوائفها اذا ما ظلت الفتاوي تحاك خدمة لمصالح ضيقة

هناك تعليقان (2):

أشرف محيي الدين يقول...

أخي مواطنون بلا حدود أسعد الله أوقاتك بكل خير .

بصراحة موضوع مهم جدا وفعلا أصبحنا نعاني منه بشكل ملحوظ جدا في الآونة الاخيرة وبكل أسف .

اسمح لي أن أبدأ من حيث انتهيت بقولك أن الفتاوى أصبحت تحاك لخدمة مصالح ضيقة وفعلا هنا بيت القصيد والخلل الرئيس فيما يحدث .

ولكن لابد من إعادة النظر بوجود اختلافات بين المجتمعات العربية والاسلامية بحكم العادات والتقاليد والاعراف السائده فيها ولذلك وفي بعض الامور فإنه من غير الممكن اصدار فتوى موحدة تكون متناسبة لكافة الامصار الاسلامية وهذا الكلام ليس جديدا والدليل أن الامام الشافعي (رحمه الله تعالى) كان قد أفتى بمسائل معينه أثناء إقامته في العراق ومن ثم تراجع عن بعضها وأفتى غيرها في مصر وذلك لعدم إمكانية تطبيقها هناك والسبب هو اختلاف أنماط الحياة بين مصر والعراق وهذا من وجهة نظري المتواضعه نتيجة طبيعية لتلك الاختلافات .

المشكلة هي في الفتاوى حول قضايا تعتبر من المسلمات في العقيدة الاسلامية وهنا لا يمكن الاعتماد على رأي عالم اسلامي من السعودية أو مصر أو غيرها فقط بل الامر يتطلب وجود هيئة إفتاء موحدة تجمع علماء من مختلف الامصار الاسلامية وأن يتم عمل استفتاء شعبي واسع لكافة المسلمين بصرف النظر عن تفاصيل وطريقة ذلك الاستفتاء ليتم اعتماد تلك الهيئة الموحدة كمرجع ومصدر ديني وحيد لجميع الدول الاسلامية في القضايا التي تكون على مستوى الأمة ككل وطبعا أن لا تكون تلك الهيئة تابعة لأية جهة مهما كانت لضمان عدم تأثرها بأية أمور أو مصالح تخدم جهات معينة .

شكرا على هذا الموضوع مرة أخرى وتقبل مروري ودمت بكل الخير .

مواطنون بلا حدود يقول...

أشرف محيي الدين ... مرورك اسعدني بالتأكيد
القصد كان حول وجود هيئة موثوقة تتولى أيضا انشاء مجالس محدودة بمناطق معينة...لتسهيل الوصول لهذه الهيئة و تسهيل الحصول على فتاوى صحيحة و تعميم مبدأ الرجوع لهذا المصدر المعتمد...طبعا الاختلافات لا يمكن تجنبها و لكن على الاقل تأكيد وجود مصدر موثوق يبحث هذه الاختلافات كل على حده